محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
193
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه ، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي ، والغائب بالشاهد ، فيتأكد الوقوف على ماهيته ، ويصير الحس مطابقا للعقل ، وذلك هو النهاية في الإيضاح . . . . . . ولهذا أكثر اللّه تعالى في كتابه المبين ، وفي سائر كتبه أمثاله . قال تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ . مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل تائه في ظلمات البيداء استوقد نارا يهتدي بها ، فلما أضاءت ما حوله أطفأها اللّه . لقد كان هؤلاء المنافقون حيارى يتخبطون ، فتظاهروا بالإيمان ليسلموا من القتال ويحققوا المغانم ، فكان فعلهم هذا كفعل التائه الذي استوقد نارا ، وما كادوا يركنون إلى هذا الوضع الزائف حتى فضحهم اللّه وكشف أمرهم ، وذهب بنورهم الذي استوقدوه - بإظهار الإيمان - وتركهم كما كانوا حيارى في ظلمات جهلهم وضلالهم يتخبطون . أما تشبيه الجماعة بالواحد في هذا المثل فيمكن أن يؤول على وجوه متعددة : ( أولها ) أن يكون المراد جنس المستوقدين ، أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا . ( وثانيها ) أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد ، وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد ومثله قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ . . . الإضاءة فرط الإنارة ، كما يظهر من قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً أما النور فهو ضوء كل نيّر ، واشتقاقه من النار .